كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ} استئناف مسوق لبيان ما أصاب بعض الكفرة من العذاب الدنيوي إثر بيان ما يصيب الكل من العذاب الأخروي أي كذب الذين من قبلهم من الأمم السالفة {فأتاهم العذاب} المقدر لكل أمة منهم {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} من الجهة التي لا يحتسبون ولا يخطر ببالهم إتيانه منها لأن ذلك أشد على النفس.
{فَأَذَاقَهُمُ الله الخزى} أي الذل والصغار {وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم} كالمسخ والخسف والقتل والسبي والإجلاء وغير ذلك من فنون النكال، والفاء تفسيرية مثلها في قوله تعالى: {فاستجبنا لَهُ فنجيناه} [الأنبياء: 76] {وَلَعَذَابُ الآخرة} المعد لهم {أَكْبَرَ} لشدته وسرمديته {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي لو كانوا من شأنهم أن يعلموا شيئًا لعلموا ذلك واعتبروا به.
{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ في هذا القرءان} العظيم الشأن {مِن كُلّ مَثَلٍ} يحتاج إليه الناظر في أمور دينه {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي كي يتذكروا ويتعظوا أو مرجوا تذكرهم واتعاظهم، والرجاء بالنسبة إلى غيره تعالى والتعليل أظهر.
{قُرْءانًا عَرَبِيًّا} حال من هذا والاعتماد فيها على السفة أعني عربيًا وإلا فقرآنًا جامدًا لا يصلح للحالية وهو أيضًا عين ذي الحال فلا يظهر حاله فالحال في الحقيقة {عَرَبِيًّا} وقررنًا للتمهيد ونظيره جاء زيد رجلًا صالحًا، قيل وذلك بمنزلة عربيا محققًا.
وجوز أن يكون منصوبًا بمقدر تقديره أعني أو أخص أو أمدح ونحوه، وأن يكون مفعول {يَتَذَكَّرُونَ} وهو كما ترى {غَيْرَ ذِى عِوَجٍ} لا اختلال فيه بوجه من الوجوه وهو أبلغ من مستقيم لأن عوجًا نكرة وقعت في سياق النفي لما في غير من معناه، والاستقامة يجوز أن تكون من وجه دون وجه ونفي مصاحبة العوج عنه يقتضي نفي اتصافه به بالطريق الأولى فهو أبلغ من غير معوج، والعوج بالكسر يقال فيما يدرك بفكر وبصيرة والعوج بالفتح يقال فيما يدرك بالحس، وعبر بالأول ليدل على أنه بلغ إلى حد لا يدرك العقل فيه عوجًا فضلًا عن الحسن، وتمام الكلام مر في الكهف.
وقيل المراد بالعوج الشك واللبس، وروى ذلك عن مجاهد وأنشدوا قول الشاعر:
وقد أتاك يقين غير ذي عوج ** من الإله وقول غير مكذوب

ولا استدلال به على أن العوج بمعنى الشك لأن عوج اليقين هو الشك لا محالة، والقول في وجه الاستدلال أن الشاعر فهم هذا المعنى من الآية لأنه اقتباس وإذا فهمه الفصيح مع صحة التجوز كان محملًا تعسف ظاهر لأنه لم يتبين أنه اقتبسه منها ولو سلم يكون محتملًا لما يحتمله العوج في النظم الذي لا عوج فيه، وقد يقال: مراد من قال أي لا لبس فيه ولا شك نفي بعض أنواع الاختلال، وعلى ذلك ما روى عن عثمان بن عفان من أنه قال: أي غير مضطرب ولا متناقض وما قيل أي غير ذي لحن.
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: غير ذي عوج غير مخلوق ولعله إن صح الخبر تفسير باللازم فتأمل.
{لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} علة أخرى مترتبة على الأولى.
{ضَرَبَ الله مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون} إيراد لمثل من الأمثال القرآنية بعد بيان أن الحكمة في ضربها هو التذكر والاتعاظ بها وتحصيل التقوى، والمراد بضرب المثل هاهنا تطبيق حالة عجيبة بأخرى مثلها وجعلها مثلها، و{مَثَلًا} مفعول ثان لضرب و{رَجُلًا} مفعوله الأول أخر عن الثاني للتشويق إليه وليتصل به ما هو من تتمته التي هي العمدة في التمثيل أو {مَثَلًا} مفعول ضرب و{رَجُلًا} الخ بدل منه بدل منه بدل كل من كل.
وقال الكسائي: انتصب {رَجُلًا} على إسقاط الخافض أي مثل في رجل وقيل غير ذلك وقد تقدم الكلام في نظيره.
و{فِيهِ} خبر مقدم و{شُرَكَاء} مبتدأ و{متشاكسون} صفته والنكرة وإن وصفت يحسن تقديم خبرها.
والجملة صفة {رَجُلًا} والرابط الهاء أو الجار والمجرور في موضع الصفة له و{شُرَكَاء} مرتفع به على الفاعلية لاعتماده على الموصوف، وقيل {فِيهِ} صلة شركاء وهو مبتدأ خبره متشاكسون، وفيه أنه ليس لتقديمه نكتة ظاهرة.
والمعنى ضرب الله تعالى مثلًا للمشرك حسبما يقول إليه مذهبه من ادعاء كل من معبوديه عبوديته عبدًا يتشارك فيه جماعة متشاجرون لشكاسة أخلاقهم وسوء طبائعهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهماتهم المتباينة في تحيره وتوزع قلبه {وَرَجُلًا} أي وضرب للموحد مثلًا رجلًا {سلاما} أي خالصًا {لِرَجُلٍ} فرد ليس لغيره سبيل إليه أصلًا فهو في راحة عن التحير وتوزع القلب وضرب الرجل مثلًا لأنه أفطن لما شقى به أو سعد فإن الصبي والمرأة قد يغفلان عن ذلك.
وقرأ عبد الله وابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والزهري والحسن بخلاف عنه والجحدري وابن كثير وأبو عمرو {سالمًا} اسم فاعل من سلم أي خالصًا له من الشركة.
وقرأ ابن جبير {قِيلًا سلاما} بكسر السين وسكون اللام، وقرئ {سلاما} بفتح فسكون وهما مصدران وصف بهما مبالغة في الخلوص من الشركة.
وقرئ {ورجل سالم} برفعهما أي وهناك رجل سالم، وجوز أن لا يقدر شيء ويكون رجل مبتدأ وسالم خبره لأنه موضع تفصيل إذ قد تقدم ما يدل عليه فيكون كقول امرىء القيس:
إذا ما بكى من خلفها انحرفت له ** بشق وشق عندنا لم يحول

وقوله تعالى: {والبصير والسميع هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا} إنكار واستبعاد لاستوائهما ونفي له على أبلغ وجه وآكده وإيذان بأن ذلك من الجلاء والظهور بحيث لا يقدر أحد أن يتفوه باستوائهما أو يتلعثم في الحكم بتباينهما ضرورة أن أحدهما في لوم وعناء والآخر في راحة بال ورضاء، وقيل ضرورة أن أحدهما في أعلى عليين والآخر في أسفل سافلين، وأيًّا ما كان فالسر في إبهام الفاضل والمفضول الإشارة إلى كمال الظهور عند من له أدنى شعور.
وانتصاب {مَثَلًا} على التمييز المحول عن الفاعل إذ التقدير هل يستوي مثلهما وحالهما، والاقتصار في التمييز على الواحد لبيان الجنس والاقتصار عليه أولًا في قوله تعالى: {ضَرَبَ الله مَثَلًا} وقرئ {مثلين} أي هل يستوي مثلاهما وحالاهما، وثني مع أن المقصود من التمييز حاصل بالإفراد من غير لبس لقصد الإشعار بمعنى زائد وهو اختلاف النوع، وجوز أن يكون ضمير يستويان للمثلين لأن التقدير فيما سبق مثل رجل ومثل رجل أي هل يستوي المثلان مثلين وهو على نحو كفى بهما رجلين وهو من باب لله تعالى دره فارسًا ويرجع ذلك إلى هل يستويان رجلين فيما ضرب من المثال ولما كان المثل بمعنى الصفة العجيبة التي هي كالمثل كان المعنى هل يستويان فيما يرجع إلى الوصفية، وقوله تعالى: {وَقَالُواْ الحمد للَّهِ} تقرير لما قبله من نفي الاستواء بطريق الاعتراض وتنبيه للموحدين على أن مالهم من المزية بتوفيق الله تعالى وأنها نعمة جليلة تقتضي الدوام على حمده تعالى وعبادته أو على أن بيانه تعالى بضرب المثل أن لهم المثل الأعلى وللمشركين مثل السوء صنع جميل ولطف تام منه عز وجل مستوجب لحمده تعالى وعبادته، وقوله تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} إضراب وانتقال من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور إلى بيان أن أكثر الناس وهم المشركون لا يعلمون ذلك مع كمال ظهوره أو ليسوا من ذوي العلم فلا يعلمون ذلك فيبقون في ورطة الشرك والضلال، وقيل المراد أنهم لا يعلمون أن الكل منه تعالى وأن المحامد إنما هي له عز وجل فيشركون به غيره سبحانه فالكلام من تتمة {الحمد للَّهِ} ولا اعتراض، ولا يخفى أن بناء الكلام على الاعتراض كما سمعت أولى.
{إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ} تمهيد لما يعقبه من الاختصام يوم القيامة.
وفي البحر أنه لما لم يلتفتوا إلى الحق ولم ينتفعوا بضرب المثل أخبر سبحانه بأن مصير الجميع بالموت إلى الله تعالى وأنهم يختصمون يوم القيامة بين يديه وهو عز وجل الحكم العدل فيتميز هناك المحق والمبطل.
وقال بعض الأجلة: إنه لما ذكرت من أول السورة إلى هنا البراهين القاطعة لعرق الشركة المسجلة لفرط جهل المشركين وعدم رجوعهم مع جهده صلى الله عليه وسلم في ردهم إلى الحق وحرصه على هدايتهم اتجه السؤال منه عليه الصلاة والسلام بعد ما قاساه منهم بأن يقول ما حالي وحالهم؟ فأجيب بأنك ميت وإنهم ميتون الآية.
وقرأ ابن الزبير وابن أبي إسحاق وابن محيصن وعيسى واليماني وابن أبي غوث وابن أبي عبلة {إِنَّكَ} والفرق بين ميت ومائت أن الأول: صفة مشبهة وهي تدل على الثبوت ففيها إشعار بأن حياتهم عين الموت وأن الموت طوق في العنق لازم والثاني: اسم فاعل وهو يدل على الحدوث فلا يفيد هنا مع القرينة أكثر من أنهم سيحدث لهم الموت، وضمير الخطاب على ما سمعت للرسول صلى الله عليه وسلم قال أبو حيان: ويدخل معه عليه الصلاة والسلام مؤمنو أمته، وضمير الجمع الغائب للكفار وتأكيد الجملة في {أَنَّهُمْ مَّيّتُونَ} للإشعار بأنهم في غفلة عظيمة كأنهم ينكرون الموت وتأكيد الأولى دفعًا لاستبعاد موته عليه الصلاة والسلام، وقيل للمشاكلة، وقيل إن الموت مما تكرهه النفوس وتكره سماع خبره طبعًا فكان مظنة أن لا يلتفت إلى الإخبار به أو أن ينكر وقوعه ولو مكابرة فأكد الحكم بوقوعه لذلك ولا يضر في ذلك عدم الكراهة في بعض لخصوصية فيه كسيد العالمين صلى الله عليه وسلم.
{ثُمَّ إِنَّكُمْ} على تغليب المخاطب على الغيب.
{يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ} أي مالك أموركم {تَخْتَصِمُونَ} فتحتج أنت عليهم بأنك بلغتهم ما أرسلت به من الأحكام والمواعظ التي من جملتها ما في تضاعيف هذه الآيات واجتهدت في دعوتهم إلى الحق حق الاجتهاد وهم قد لجوا في المكابرة والعناد ويعتذرون بالأباطيل مثل {أَطَعْنَا سَادَتَنَا} [الأحزاب: 67] و{وَجَدْنَا ءابَاءنَا} [الأنبياء: 53] {غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا} [المؤمنون: 106] والجمع بين {يَوْمُ القيامة} و{عِندَ رَبّكُمْ} لزيادة التهويل ببيان أن اختصامهم ذلك في يوم عظيم عند مالك لأمورهم نافذ حكمه فيهم ولو اكتفى بالأول لاحتمل وقوع الاختصام فيما بينهم بدون مرافعة أو بمرافعة لكن ليست لدى مالك لأمورهم، والاكتفاء بالثاني على تسليم فهم كون ذلك يوم القيامة معه بدون الاحتمال لا يقوم مقام ذكرهما لما في التصريح بما هو كالعلم من التهويل ما فيه، وقال جمع: المراد بذلك الاختصام العام فيما جرى في الدنيا بين الأنام لا خصوص الاختصام بينه عليه الصلاة والسلام وبين الكفرة الطغام، وفي الآثار ما يأبى الخصوص المذكور.
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن عساكر عن إبراهيم النخعي قال: نزلت هذه الآية {إِنَّكَ مَيّتٌ} [الزمر: 30] الخ فقالوا: وما خصومتنا ونحن إخوان فلما قتل عثمان بن عفان قالوا هذه خصومة ما بيننا.
وأخرج سعيد بن منصور عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} كنا نقول: ربنا واحد وديننا واحد فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم هو هذا.
وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: لقد لبثنا برهة من دهرنا ونحن نرى أن هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين من قبل {إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ} ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قلنا: كيف نختصم ونبينا واحد وكتابنا واحد حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف فعرفت أنها نزلت فينا، وفي رواية أخرى عنه بلفظ نزلت علينا الآية {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} وما ندري فيم نزلت قلنا: ليس بيننا خصومة فما التخاصم حتى وقعت الفتنة فقلت: هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه.
وأخرج أحمد وعبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في البعث والنشور عن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه قال: لما نزلت: {إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} [الزمر: 30] قلت: يا رسول الله أينكر علينا ما يكون بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب قال: نعم ينكر ذلك عليكم حتى يؤدي إلى كل ذي حق حقه قال الزبير: فوالله إن الأمر لشديد.
وزعم الزمخشري أن الوجه الذي يدل عليه كلام الله تعالى هو ما ذكر أولًا واستشهد بقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ} [الزمر: 32] الخ وبقوله سبحانه: {والذى جَاء بالصدق} [الزمر: 33] الخ لدلالتهما على أنهما اللذان تكون الخصومة بينهما، وكذلك ما سبق من قوله تعالى: {ضَرَبَ الله مَثَلًا رَّجُلًا} (الزمر؛ 29). إلخ.
وتعقب ذلك في الكشف فقال: أقول قد نقل عن جلة الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم ما يدل على أنهم فهموا الوجه الثاني أي العموم بل ظاهر قول النخعي قالت الصحابة: ما خصومتنا ونحن إخوان يدل على أنه قول الكل فالوجه إيثار ذلك.
وتحقيقه أن قوله تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ في هذا القرءان} [الزمر: 27] كلام مع الأمة كلهم موحدهم ومشركهم وكذلك قوله تعالى: {ضرب الله مثلًا رجلاف ورجلًا بل أكثرهم} [الزمر: 29] دون بل هم كالنص على ذلك فإذا قيل: {إنك ميت} وجب أن يكون على نحو {يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ} [الطلاق: 1] أي إنكم أيها النبي والمؤمنون وأبهم ليعم القبيلين ولا يتنافر النظم فقد روعي من مفتتح السورة إلى هذا المقام التقابل بين الفريقين لا بينه عليه الصلاة والسلام وحده وبين الكفار ثم إذا قيل: {ثُمَّ إِنَّكُمْ} على التغليب يكون تغليبًا للمخاطبين على جميع الناس فهذا من حيث اللفظ والمساق الظاهر ثم إذا كان الموت أمرًا عمه والناس جميعًا كان المعنى عليه أيضًا، وأما حديث الاختصام والطباق الذي ذكره فليس بشيء لأنه لعمومه يشمله شمولًا أوليًّا كما حقق هذا المعنى مرارًا.
والتعقيب بقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ} [الزمر: 32] للتنبيه على أنه مصب الغرض وأن المقصود التسلق إلى تلك الخصومة، ولا أنكر أن قوله تعالى: {عِندَ رَبّكُمْ} يدل على أن الاختصام يوم القيامة ولكن أنكر أن يختص باختصام النبي صلى الله عليه وسلم وحده والمشركين بل يتناوله أولًا وكذلك اختصام المؤمنين والمشركين واختصام المؤمنين بعضهم مع بعض كاختصام عثمان رضي الله تعالى عنه يوم القيامة وقاتليه، وهذا ما ذهب إليه هؤلاء وهم هم رضي الله تعالى عنهم انتهى، وكأنه عنى بقوله ولا أنكر الخ رد ما يقال إن {عِندَ رَبّكُمْ} يدل على أن الاختصام يوم القيامة، وقد صرح في النظم الجليل بذلك فيكون تأكيدًا مشعرًا بالاهتمام بأمر ذلك الاختصام فليس هو إلا اختصام حبيبه صلى الله عليه وسلم مع أعدائه الطغام، ووجه الرد أنه إن سلم أن فائدة الجمع ما ذكر فلا نسلم استدعاء ذلك لاعتبار الخصوص بل يكفي للاهتمام دخول اختصام الحبيب مع أعدائه عليه الصلاة والسلام فتأمله، ثم أنت تعلم أنه لو لم يكن في هذا المقام سوى الحديث الصحيح المرفوع لكفى في كون المراد عموم الاختصام فالحق القول بعمومه وهو أنواع شتى، فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في الآية: يخاصم الصادق الكاذب والمظلوم الظالم والمهتدي الضال والضعيف المستكبر.
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند لا بأس به عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أول من يختصم يوم القيامة الرجل وامرأته والله ما يتكلم لسانها ولكن يداها ورجلاها يشهدان عليها بما كان لزوجها وتشهد يداه ورجلاه بما كان لها ثم يدعى الرجل وخادمه بمثل ذلك ثم يدعى أهل الأسواق وما يوجد ثم دانق ولا قراريط ولكن حسنات هذا تدفع إلى هذا الذي ظلمه وسيئات هذا الذي ظلمه توضع عليه ثم يؤتى بالجبارين في مقامع من حديد فيقال أوردوهم إلى النار فوالله ما أدري يدخلونها أو كما قال الله {وإن منكم إلا واردها}» وأخرج البزار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجاء بالأمير الجائر فتخاصمه الرعية» وأخرج أحمد والطبراني بسند حسن عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول خصمين يوم القيامة جاران» ولعل الأولية إضافية لحديث أبي أيوب السابق.
وجاء عن ابن عباس اختصام الروح مع الجسد أيضًا بل أخرج أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليختصمن يوم القيامة كل شيء حتى الشاتان فيما انتطحا». اهـ.